حبيب الله الهاشمي الخوئي
58
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أخذ كلّ واحد منهما شطرا أي نصفا أو شطرا بالكسر أي خلفا من ضرعيها ، والمقصود اقتسامهما فايدتها بينهما ، وفي بعض روايات السّقيفة أنّه عليه السّلام قال لعمر بن الخطاب بعد يوم السّقيفة : احلب حلبا لك شطره ، اشدد له اليوم يردّه عليك غدا ( فصيرها في حوزة ) أي في طبيعة أو ناحية ( خشناء ) متصفا بالخشونة لا ينال ما عندها ، ولا يرام ولا يفوز بالنّجاح من قصدها . قال بعض الأفاضل : الظاهر أنّ المفاد على تقدير إرادة الناحية تشبيه المتولي للخلافة بالأرض الخشناء في ناحية الطريق المستوى ، وتشبيه الخلافة بالرّاكب السّاير فيها أو بالنّاقة اى أخرجها عن مسيرها المستوى وهو من يستحقها إلى تلك النّاحية الحزنة هذا : والأظهر إرادة معنى الطبيعة . ثمّ وصف عليه السّلام الحوزة ثانيا بأنّها ( يغلظ كلمها ) أي جرحها وفي الاسناد توسّع ، قال الشّارح البحرانيّ غلظ الكلم كناية عن غلظ المواجهة بالكلام والجرح به ، فانّ الضّرب باللَّسان أعظم من وخز السّنان ( 1 ) ، أقول : ومن هنا قيل : جراحات السّنان لها التيام ولا يلتام ما جرح اللَّسان ( و ) وصفها ثالثا بأنّها ( يخشن مسّها ) أي تؤذي وتضرّ من يمسها قال البحراني : وهي كناية عن خشونة طباعه المانعة من ميل الطباع إليه المستلزمة للأذى كما يستلزم من الأجسام الخشنة . أقول : والمقصود من هذه الأوصاف الإشارة إلى فظاظة عمر وغلظته وجفاوته وقبح لقائه وكراهة منظره ، ورغبة الناس عن مواجهته ومكالمته ، ويدلّ على ذلك ما روي أنّ ابن عباس لمّا أظهر بطلان مسألة العول بعد موت عمر قيل له : من أول من أعال الفرائض فقال : عمر بن الخطاب ، قيل له : هلَّا أشرت عليه قال هيبته ، وما رواه الشّارح المعتزلي في شرح هذا الفصل أنّ عمر هو الذي غلَّظ ( 2 ) على جبلة بن
--> ( 1 ) اى طعن السنان منه . ( 2 ) قصة جبلة بن الأيهم الغساني على ما ذكره أبو الفرج الاصفهاني في كتاب الأغاني هو انه لما اسلم جبلة بن الأيهم وكان من ملوك آل جفنة كتب إلى عمر يستأذنه في القدوم عليه فاذن له عمر فخرج اليه في خمسمائة من أهل بيته من عك وغسان حتى إذا كان على مرحلتين كتب إلى - عمر ليعلمه بقدومه فسر عمر وامر الناس باستقباله وبعث اليه بانزال وامر جبلة مأتي رجل من أصحابه فلبسوا السلاح والحرير وركبوا الخيل معقودة أذنابها والبسوها قلائد الذهب والفضة ولبس جبلة تاجه وفيه قرطا مارية وهى جدته ودخل المدينة فلم يبق بها بكر ولا عانس الا تبرجت وخرجت تنظر اليه والى زيه فلما انتهى إلى عمر رحب به والطفه وأدنى مجلسه ثم أراد عمر الحج فخرج معه جبلة فبينا هو يطوف بالبيت وكان مشهورا بالموسم إذ وطى ازاره رجل من بنى فزارة فانحل فرفع جبلة يده فهشم انف الفزاري فاستعدى عليه عمر فبعث إلى جبلة فاتاه فقال ما هذا قال نعم يا أمير المؤمنين انه تعمد حل إزاري ولولا حرمة الكعبة لضربت بين عينيه بالسيف فقال له عمر قد أقررت فاما ان رضى الرجل واما ان أقيده منك قال جبلة ما ذا تصنع بي قال آمر بهشم انفك كما فعلت قال وكيف ذاك يا أمير المؤمنين وهو سوقة وانا ملك قال إن الاسلام جمعك وإياه وليس تفضل بشيء الا بالتقى والعافية قال جبلة قد ظننت انى أكون في الاسلام أعز منى في الجاهلية قال عمر دع عنك هذا فإنك ان لم ترض الرجل اقدته منك قال إذا اتنصر قال إن تنصرت ضربت عنقك لأنك قد أسلمت فان ارتددت قتلتك فلما رأى جبلة الصدق من عمر قال انا ناظر في هذا ليلى هذه وقد اجتمع بباب عمر من حي هذا وحى هذا خلق كثير حتى كادت تكون بينهم فتنة فلما أمسوا اذن لهم عمر في الانصراف حتى إذا نام الناس وهدوا فحمل جبلة بخيله ورواحله إلى الشام فأصبحت مكة وهى منهم بلاقع فلما انتهى إلى الشام تجمل في خمسمائة من قومه حتى اتى إلى القسطنطنية فدخل إلى هر قل فتنصر هو وأصحابه فسر هر قل بذلك جدا وظن أنه فتح من الفتوح عظيم واقطعه حيث شاء واجرى عليه من المنزل ما شاؤوا وجعله من محدثيه هكذا ذكر أبو عمرو ذكر ابن الكلبي ان الفزاري لما وطى ازار جبلة لطم جبلة كما لطمه فوثب غسان وهشموا انفه واتوابه عمر ثم ذكر ما في الخبر نحو ما ذكرناه وشعر جبلة على ما رواه أبو الفرج هكذا تنصرت الاشراف من عار لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفنى فيها لجاج ونخوة وبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني رجعت إلى القول الذي قال لي عمر ويا ليتني ارعى المخاض بدمنة وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشام أولى معيشة أجالس قومي ذاهب السمع والبصر ، انتهى منه